عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
103
اللباب في علوم الكتاب
في « تكتمون » اكتفاء بالتوكيد في الأول ؛ لأن « تكتمونه » توكيد » . وظاهر عبارته أنه لو لم يكن بعد مؤكّد بالنون لزم توكيده ، وليس كذلك ؛ لما تقدم . وقوله : لأنه توكيد ، يعني أن نفي الكتمان فهم من قوله : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ فجاء قوله : وَلا تَكْتُمُونَهُ توكيدا في المعنى . واستحسن أبو حيّان هذا الوجه - أعني : جعل الواو عاطفة لا حالية - قال : « وهذا الوجه - عندي - أعرب وأفصح ؛ لأن الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ قبل « لا » حتى تصير الجملة اسمية في موضع الحال ؛ إذ المضارع المنفي ب « لا » لا تدخل عليه واو الحال » . وغيره يقول : إنه يمتنع إذا كان مضارعا مثبتا ، فيفهم من هذا أن المضارع المنفيّ بكلّ ناف لا يمتنع دخولها عليه . وقرأ عبد اللّه « 1 » : ليبينونه - من غير توكيد - قال ابن عطيّة : « وقد لا تلزم هذه النون لام التوكيد قاله سيبويه » . والمعروف - من مذهب البصريين - لزومهما معا ، والكوفيون يجيزون تعاقبهما في سعة الكلام . وأنشدوا : [ الطويل ] 1706 - وعيشك - يا سلمى - لأوقن أنّني * لما شئت مستحل ، ولو أنّه القتل « 2 » وقال الآخر : [ المتقارب ] 1707 - يمينا لأبغض كلّ امرئ * يزخرف قولا ولا يفعل « 3 » فأتى باللام وحدها . وقد تقدم تحقيق هذا . وقرأ ابن عباس « 4 » : ميثاق النبيين لتبيننه للناس ، فالضمير في قوله : فَنَبَذُوهُ يعود على ( الناس ) المبيّن لهم ؛ لاستحالة عوده على النبيين ، وكان قد تقدم في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [ آل عمران : 81 ] أنه - في أحد الأوجه - على حذف مضاف ، أي : أولاد النبيين ، فلا بعد في تقديره هنا - أعني : قراءة ابن عباس - . والهاء في لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ قال سعيد بن جبير والسّدّيّ تعود إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى هذا يكون الضمير عائدا إلى معلوم غير مذكور « 5 » .
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 551 ، والبحر المحيط 3 / 142 ، والدر المصون 2 / 279 . ( 2 ) ينظر البيت في البحر المحيط 3 / 42 ، والدر المصون 2 / 279 . ( 3 ) ينظر البيت في أوضح المسالك 4 / 95 ، وشرح الأشموني 2 / 496 ، وشرح التصريح 2 / 203 ، والمقاصد النحوية 4 / 338 ، والبحر المحيط 3 / 142 ، والدر المصون 2 / 279 . ( 4 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 551 ، والبحر المحيط 3 / 143 ، والدر المصون 2 / 279 . ( 5 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 9 / 106 ) .